منير سلطان

29

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

التوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فان كملت هذه الخصال فهو معتزلي » « 1 » . وهذه الأصول الاعتزالية لا نستطيع أن نفهم مقاصدها حق الفهم إلّا بعد أن نقابلها بالأحداث التي أثرت في تيار التفكير الإسلامي ، وفي مجرى الإسلام دينا ، والقرآن نصا سماويا . فحين نزل القرآن ، لم يكن نزوله بين قوم سذّج يتلمسون طريقهم إلى السماء في تعثر ، بل وجد مللا وأديانا سماوية طال بها الزمن ، ومن أجل الوصول بالناس إلى شاطئ الأمان نزل القرآن « كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » [ هود - 1 ] . وكان فيه خبر عن اليهود وعن انقسامهم أحزابا وشيعا فيما بينهم ، وعن اتخاذهم العجل بعد غيبة موسى « 2 » وفيه خبر عن النصارى الذين قالوا « الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ » [ التوبة - 30 ] كما قالت اليهود « عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ » [ التوبة - 30 ] وهكذا تحدث عن المشركين وعن منكري الأديان « 3 » وعن المجوس « 4 » وعن غيرهم . وأهمّ نقط الخلاف بين المسلمين واليهود كانت « عدم اعترافهم بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وكانت هذه أهم مشكلة من مشكلات الجدل بين النبي وبين الأحبار ، ثم الاعتراف بنبوّة المسيح وقد أنكرها اليهود إنكارا باتا وطعنوا في مريم طعنا شديدا » « 5 » أما ما بين المسلمين والنصارى ، فلم يكن الأمر بينهما في البدء ، إلّا أحاديث في لين ورقّة ، ثم اشتدت ، واحتدم النقاش بينهما ، وأهم مشكلة قامت

--> ( 1 ) الخياط - الانتصار - ص 3 ط دار الكتب 1925 م تحقيق د . نيبرج . ( 2 ) انظر قوله تعالى « وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ ، أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ، اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ » [ الأعراف - 148 ] . ( 3 ) انظر قوله تعالى « وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ، نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ، وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ » [ الجاثية - 24 . ] ( 4 ) انظر قوله تعالى « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ ، وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا - إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ . . . » [ الحج - 17 ] . ( 5 ) الدكتور النشار - نشأة التفكير الفلسفي في الإسلام - 42 و 43 .